الاثنين، 20 يناير 2020

قناديل خالدة (4)





ان الابحار في عالم الذكريات جميل وممتع ، وسعادتي تزداد قبطة وحبوراً كلما اوغلت وتعمقت في تفاصيل حياة من اكن له الاحترام والتقدير ، ومن السهل الكتابة حول المواقف المحزنة ، وحياة سادتها المرارات والالام  ، ولكن من النادر ان نكتب عن  الافراح وحياة السعادة لان الوقت يمر في غمرة النشوة .

 بحلول يوم 18يناير 2020 تمر ثمانية عشرة عاماً علي رحيل طيبة الذكر والسيرة الاستاذة / مني ادم نورالدين ، جمعتنا مهنة التدريس ، وهموم  نشر العلم  ، ورفع وعي المجتمع ، وخضنا مع زملائنا حرب بلا هوادة علي الجهل ، وهي عملية لاتنتهي بمقدار من السنوات بل تستمر لعقود وسلسلة اجيال .
قضينا قبل الزواج  فترة السنتين كانت كفيلة بمعرفة بعضنا البعض ، والوصول  للقرار جاء نتيجة الممارسة الميدانية في الحياة العملية .. في الريف والحضر ، في ظروف الحلوة والمرة ، وتم الزواج في السابع من سبتمبر 1997م وهو يوافق تاريخ استشهاد القائد البطل الشهيد /عمر حامد ازاز ، ولم يكن صدفة وانما اختيار عن قصد ،لأهمية الحدث في ذاكرة تاريخ نضالات الشعب الارتري .


اتيحت لنا زيارة كثير من المدن الارترية بعد الزواج  ، وكذلك بعض المناطق من الامصار والارياف ، ولنا انطباعات ومدونات وذكريات ليس بحوزتي في الوقت الحالي ، زارتني في مواقع العمليات العسكرية   في جبهات القتال ابان الحرب الاخيرة مع اثيوبيا ، وبعد دخولي السودان في فبراير 1999 ، لحقت بي بعد خمسة اشهر ، وكان دخولها الي السودان بمثابة معجزة بسبب القيود التي فرضت عليها من قبل النظام ، بتقييد حركتها واجبارها بالمكوث في حقات ، وقد عانت هي واسرتي ، من توقيف مرتبي ، وكذلك باعتقال والدي واقامته تحت الاقامة الجبرية بعد اطلاق سراحه ، والتوقيع علي دفتر الحضور والانصراف يوميا  في ادارة مدينة حقات .

احتضنتنا القضارف ورحبت بنا ، ولكن لم تستمر سعادتنا  طويلاً ، بسبب المرض اللعين الذي ألم بها ، وتحولت حياتنا  لترحال دائم بين المستشفيات ومراكز الاستشفاء ،وبعد تحديد المرض وتشخيصه استقرينا في مستشفي السلاح الطبي بالخرطوم ، وكانت تتلقي العلاج فيه ، وبدأ الغسيل بالبرتوني شهرياً ، وثم تحول الي الغسيل الدموي ، حتي جاء قدر الرحيل في يوم الجمعة 18يناير 2002م .. راضية مرضية ، والحمد لله علي كل حال .
ورغم رحيل الجسد فهي باقية بروحها وسيرتها العطرة ، تغمدها الله بواسع رحمته وعظيم مغفرته ، واسكنها فيسح جنانه مع الصديقين والشهداء واولئك رفيقاً ، انا لله وانا اليه راجعون .

الأحد، 19 يناير 2020

قناديل خالدة (3)




قرية ( دُلُكْ) تقع في سهل خصب ، تقطنها مجموعة قبائل تكون نسيج اجتماعي حضري ذي طابع محافظ  ، السواد الاعظم  من التقري والحدارب  ، وما يميز القرية حداثة البنية التحتية من المنشآت والمباني لذا كانت محل جذب توافد العائدين بعد الاستقلال من منافي اللجوء وخاصة من مخيمات شرق السودان .
أهم المرافق التي شيدتها الحكومة مدرسة اساس ومستشفي ومقر ادارة الضاحية ، بجانب ثلاثة موارد مائية بمايسمي (الدريل) ، وكذلك تخطيط السوق بشكل عصري ، وتنظيم بناء المنازل ، تتكون المدرسة من اربعة  فصول دراسية  ومكتبين للادارة  ، بجانب سكن المعلمين الذي يتكون من ثلاثة حجرات وصالة . جميع مباني المدرسة مشيدة  من البلوك والاسمنت ، بسقف من الزنك ،
كان ذلك في مفارق  سبتمبر1996 ، نهاية فصل الخريف وبداية فصل الشتاء الذي  تتعري الارض  متجردة  من ثيابها وتظهر تفاصيل مفاتنها  و جسدها المغري المطلي بالذهب الخالص  ، تعطيك احساس بالفخامة ، والشعور الخرافي  بمتعة الاجواء المشمسة مع اعتدال الطقس ، اتينا اليها في رحلة اقرب الي ترحال ايام النضال بعربات الداف والماك  ، طريق وعر تتخلله اودية متفرقة لاتعد ولاتحصي ، تبدأ رحلة الشقاء تلك من منطقة انقرني ، حتي دخول سهل المنطقة الممتد عشرات الاميال من موقع القرية .
اهم مايميز المنطقة السهل الخصيب المحاط بسلسلة جبلية وخاصة من الجنوب سلسلة جبال دمبلاس ، اهم المناطق الحضرية التي تقع في امتداد ذلك الطريق قرية (عدكوكوي ) وقرية سيدنا محمد طاهر ،وجميعها بما فيها دُلك تتبع ادارياً لمحافظة منصورة ،
حقيقة احببت المنطقة من أول وهلة ، أحببت فيها الهدوء والبساطة ، وتوفر مقومات الحياة الكريمة  ، من مستلزمات المعيشة ، بسعر المدينة ، بجانب وفرة الثروة الحيوانية ،وهذا مفيد جداً لنا بالذات ، وتأتي الخُضر والفاكهة بشكل يومي من اغردات .. فهناك البص الذي ينطلق صباحاً ويعود حاملاً الناس ومستلزماتهم في المساء .
في اول يوم لنا قضينا الثلث الاول من الليل  في مقاهي السوق المتواضع ، وبعد العشاء والقهوة فيه عدنا الي المدرسة وارتمينا في نوم عميق ،  قضاء الحاجة في العراء فبالرغم من وجود مراحيض وحمامات الا أن الاودية الصغيرة والكثيرة  حول المنطقة جاذبة للغرض وبالاخص  ايام العطلات وفي الامسيات .

بعد عملية التسليم والتسلم وتعريفنا بالمنطقة ،بشقيها الرسمي والشعبي ، غادرنا  الزميل عبدالله الي مكان عمله الجديد  ، وبقينا نحن الاربعة ادريس محمدعثمان مدير المدرسة عمل ثلاثة عشر سنة في حقل التعليم السوداني  ، عبدالله سالم من خريجي كلية الزراعة بليبيا ومن ابناء امبيرمي ، عثمان صالح درس في ليبيا ايضاً وخريج جامعي من ابناء ماي حبار بالقرب من منطقة نفاسيت ،
قمنا بنظافة المدرسة من الاعشاب بالحرق والكنس ،  وترتيب الامور  الادارية .. اجتمعنا مع لجنتها ، وهيأنا الاحوال لبدء العام الدراسي  ، وأنشأنا الفصل الخامس من المواد المحلية ، وذلك الفصل يشيد سنوياً لوجود النمل الابيض(الارضة)  بشكل فظيع ، حتي اذا سقط ثوبك ليلا علي الارض من السرير لاتستغرب اذا وجدت  بعض اجزاءه قد تلف .
بعد بدء الدراسة باسبوعين تقريباً ، التحق بنا مدرس للغة الانجليزية والتجرينية  اسمه مكئيلي  شاب في عمر العشرين   من ابناء  ضواحي مدينة مندفرا . ومن بعده بايام اكتمل العدد بوصول الزميلة / مني ادم نورالدين ، كان ذلك اليوم بمثابة ميلاد فجر جديد بالنسبة لي لا اعرف بالضبط الاسباب ، ولكن يمكنني القول  انشرح صدري لرؤيتها بالرغم من تمتعها  بقوة الشخصية  ، كانت فتاة صارمة وجادة ، وكنت اول من حظي باستقبالها برفقة التلاميذ الذين حملوا اشيائها من البص الي مباني المدرسة  من شنطة ملابس وغيرها من المستلزمات الشخصية   ، كانت الاستاذة مني الوحيدة المتبقية من الطاقم  القديم ، ولذا كانت هي الدليل والمرشد  الذي نعتمد عليها في كل صغيرة وكبيرة ، وفعلياً كانت هي من تدير دفة الامور .لانها المعروفة لدي الجميع عند التلاميذ وشعب المنطقة ، والادارات الرسمية والشعبية ، وبحضورها ذللت الصعاب ، وبدأت الوفود تاتي الي المدرسة تباعاً وخاصة العنصر النسائي .

يتبع الحلقة الرابعة >>>> 

الجمعة، 17 يناير 2020

قناديل خالدة (2)



مرت سنوات الوثاق كفاصل أو ومضة من سنا الفجر الجميل ، لتُخلِّد ذكريات يانعة ، و موال من الهمسات المُترعة  ، وعبير من الزهرات الفواحة ، وتلك السنوات جاءت بعد جُهد عظيم  وكفاح مرير ، وتاريخ حافل  في ميادين  ساحات الوَغي المقدسة ، ثمنهُ ارواح غالية ودماء عزيزة ، انتصرت فيها الارادة الوطنية علي قوي البغي والاستعمار ، لندخل في مرحلة جديدة من مر البلاد ،  ولم نكن قبلها نعرف من الحب الا حب واحد ، وكنا نستحي من سماع اغنيات الغزل باعتبارها من فواحش النفس واسراف في  قتل الوقت ، هكذا تربينا ونشأنا في كنف الثورة ، ولا حباً في الحياة يُعلي علي حب الاوطان والثورة .
الثورة علمتنا ان عشق النساء من عشق الوطن ،، وكنا نغني ونردد مع مبدعي الثورة اناشيد وأغنيات الثورة  ، فكان شعر الاستاذ /محمد عثمان كجراي علي سبيل المثال نموذجاً يمكن الاستدلال والتأكيد وهذه واحدة من رواعه الخالدة التي يقول فيها  :
ﻳﺎﻓﺘﺎﺓ ﻓﻲ ﺍﺗﻮﻥ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺗﺨﻄﻮ 
ﻓﻲ ﺍﻋﺘﺰﺍﺯ ﻭﺷﻤﻮخ ﻭﻭﺳﺎﻣﻪ
ﺍﻧﻤﺎ ﺍﻧﺖ ﺍﺑﻨﺔ ﺍﻟﺼﺨﺮ ﺻﻤﻮﺩﺍ ﻭﺍﺑﺎﺀ ﻭﻛﺮﺍﻣﻪ
ﻓﻠﻌﻴﻨﻴﻚ ﺗﺤﺪﻳﻨﺎ ﺍﻻﻋﺎﺩﻱ ﻭﺻﻨﻌﻨﺎ ﻛﻞ ﺍﻫﻮﺍﻝ
ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﻪ
ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻣﺮ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻛﻔﺎﺡٍٍ
ﻫﻮ ﻳﻮﻡ ﺿﺎﻉ ﻣﻦ ﻋﻤﺮ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡِ
ﻓﺘﻌﺎﻟﻲ ﻧﻤﻸ ﺍﻻﻓﻖ ﻫﺪﻳﺮﺍً
ﻧﺘﺤﺪﺍﻩ ﺑﺎﻣﺠﺎﺩ ﺍﻟﺴﻼﺡ
ﺷﺎﺭﻛﻴﻨﻲ ﺷﺮﻑ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺟﻬﺎﺩﺍً
ﺿﻤﺪﻱ ﻓﻲ ﺳﺎﺣﺔ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺟﺮﺍﺣﻲ
ﻭﺍﺫﺍ ﻣﺖ ﺷﻬﻴﺪﺍً
ﻭﺩﻋﻴﻨﻲ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻟﺤﻈﺔ ﻣﺠﺪﻱ ﺗﺬﺭﻳﻨﻲ
ﺍﻧﻬﺎ ﺍﻣﻨﻴﺘﻲ ﺍﻟﻜﺒﺮﻱ ﺩﻋﻴﻨﻲ 
ﻓﻮﻕ ﺣﻀﻦ ﺍﻻﺭﺽ ﻳﺮﺗﺎﺡ ﺟﺒﻴﻨﻲ ....الخ
الذي صدح بها المناضل المبدع / ادريس محمد علي فك الله اسره .

وبعد وضع الحرب أوزارها ، عدنا لحياة المدنية ، ورويداً رويداً اندمجنا في المجتمع  ، وعاد بي الزمن القهقري لايام الصبا وحجرات الدراسة ، ولفنون الخطابة وأصبحت أقلب دفاتر الطفولة ومايليها من عمر الصبابة ، وللاسف لم اجد كراسات مدوناتي ، ولا الكتب التي كنت اقتنيها فقد فقدت مع ظروف اللجوء ودوامة ترحال الاسرة كحال جل الارتريين  ،  عدت الي أيام التكوين الفكري الاول  ، ايام  التعابير الحنونة ، والكلمات الوردية ، والمشاعر الجياشة ، ولم أجد مايملأ فراغ ما بعد الحرب الا العودة الي حياة النعومة ، والاستهلال في بديل عاطفي ، ومن أول زيارة الي الي السودان عدت بمجموعة  كتب متنوعة بعضها هدايا واخري اشتريتها من المكتبات ، ولفقر سوق الكتب في أقاليم السودان لم اجد ما يروي شغفي ، وكلنا نعلم خلو ارتريا حينها من اي كتب ثقافية باللغة العربية .
في ذلك الوقت الذي كان يعتريني فيه فراغ نفسي ، تم نقلي الي وزارة التعليم ، وتعينت مدرساً في احدي البلدات البعيدة عن حياة صخب المدينة ، قرية هادئة متواضعة اغلب سكانها عائدون من منافي اللجوء ، كان اصطاف المعلمين  مقداره خمس معلمين حضورا وواحدة في الطريق كانت تقضي الاجازة في القضارف ، استلمت كشف المعلمين من مكتب اغردات ، ونزلت  الي ارض المدرسة ، كفاتح من ابطال الروايات الخيالية ، ومعي مدير المدرسة السابق الاستاذ / عبدالله محمد عمر للتسليم والتسلم ، وهو من المعلمين الذين عملوا في حقل التعليم في جهاز التعليم الارتري نشأ في منطقة سمسم مخيم الدنقرار ، ونقل في ذلك العام الي الاقليم الجنوبي ضواحي عد ي قيح .
....>>>> يتبع الحلقة (3) 

قناديل_خالدة (1)



في حياة كل انسان قناديل باقية لاتمحوها الذاكرة بطول السنين ، ‏وتكالب نوائب الزمان علي الشخوص ، بقدرما تزيد من عظمة وهج ‏القلوب وألق النفوس ، وانعكاس ذلك علي كافة الامور الحياتية ، لتبقي ‏بصمة خالدة في تدابير الاشياء بحلوها ومرها ، و مسحة حانية تطلي ‏النفوس ، بدهان من الالق الدائم . ‏
‏ وفي حياتي قناديل من نور ، هي سرجي الذي امتطيه ، وسراجٌ من ‏الامل اهتديه ، في مقدمتها المرأة .. تلك الانثي الموقدة دوماً ‏كالشمعة التي تذيب علي نار اوارها ، لتضئ حياة الاخرين ، والمونقة ‏في كل الفصول جمالاً وبهاءً ، "المرأة التي اذا جُمعت كل فلسفة ‏الرجال لا تعادل عاطفة واحدة من عواطفها " ، المرأة تلك الريحانة ‏التي تعطر حياتنا ، والريانة التي تملأ قلوبنا بالبهجة والمسرة ، واذا ‏جمعنا كل صفات الورد نعجز ان نعطي لها وصفاً يليق بمكانتها ‏العظيمة .. وتبقي المرأة اِمرأة في كل الازمان والاوقات ، لاتتبدل ‏ولاتتغيّر مهما تغير خواص الاشياء من حولنا .نتغير نحن وتبقي ‏الانثي أصيلة ونقية . ‏
انني اكن للمرأة كل الاحترام واجلها بكل اكباروتقدير ، لدورها ‏الانساني الذي لايقيَّم بثمن ، هي رحم التكوين ، ودفئ الامومة ، ‏واكسير الحياة ، وريحانة الجنة ... الرحمة التي تمشي علي ‏الارض والسكينة التي تملأ الدنيا أمناً وسلاماً .‏
أمي اول القناديل الخالدة .. وأسال الله ان يمد في عمرها ويؤخر يوم ‏شكرها ، فهي مصدر تكويني والهامي ، اعجز عن اختصار مايجيش ‏في داخلي في مفرداتٍ ، ويبقي حبي لها يفوق كل التفاصيل وارق ‏الخواطر ، وسوف تبقي نور حياتي في دنياي وبعد الممات ، حفظها ‏الله فلا يمكنني تجاوزها مادام قد ذكرت تلك القناديل التي تضئ حياتي ‏‏. ‏
‏ تليها المقاتلة الارترية التي تعلمت منها اسمي معاني التضحية ، ‏ونكران الذات ، تلك الفارسة التي ضربت اروع المثل في التفاني ‏والاخلاص ، وخاضت تجربة الكفاح بعزيمة واقتدار ، ولها مني دين مستحق في تدوين تاريخ ‏كل ثائرة ، حتي اذا استوجب بمداد من دمي .‏
‏ يتبع (2) .‏‎<<<<‎

الاثنين، 30 ديسمبر 2019

أيها الاِرتريون .. قِفُوا نَبْك علي اللَّبن المَسكُوب !







‏(1) كثيراً ما تمر علينا مقالات واحاديث النهي عن البكاء في الامور ‏التي مضت وانتهت ، وعدم الاكتراث والتوقف عندها ، حتي لاتسرق ‏منا الحاضر والمستقبل ، ومن يفعل ذلك نصفه كمن يبكي علي " ‏الللبن المسكوب " وهو توصيف رائع اذا كان الامر كذلك .. ولكن اذا ‏كان الامر يتجاوز حدود المعقول ، ويملأ اللبن المسكوب مجاري ‏الاودية والفيافي ، ويغطي السهول وسفوح الجبال ، لاشك ان الامر ‏جلي ويستحق التوقف والبكاء عليه حسرة وتندماً . ‏
‏(2) بعض شعوب العالم تقيم مهرجاناتها باعدام الاطنان من الطماطم ، ‏حتي لو دولتها لاتنتج محصول تلك النعمة المهدرة تستورده من ‏الخارج للاقامة المناسبة الاحتفالية ، وهي عادة وثقافة شاذة تخالف ‏الطبع الانساني .. والمشهد وان كان يسوقنا للحزن اكثر من الفرح اذا ‏ما قورن الحدث بحوجة الانسانية للثروة المهدرة في امور فارغة .. الا ‏انه لايقل اهمية من ثرواتنا كارتريين التي تهدر بلا وعي او بوعي .‏
‏(3) لاننا نحن الارتريون اصحاب قضية ، بمعني اننا مدانون للوطن ‏بالغالي والنفيس ، نسترخص الارواح والمهج للاجل استقلاله وبقائه ‏حرا وسيداً علي نفسه علي الاقل اسوةً ببقية شعوب العالم ، ولذلك لم ‏يتوان الاجداد والاباء في الجهاد والنضال المستميت للاجل استرداده ، ‏لذا تسمي "ارتريا هدية الشهداء " وهي أمانة في اعناقنا ، واذا كان ‏الاباء حرر البلاد من المستعمر البغيض ، فقضية استرداد الحقوق من ‏النظام الحاكم المستبد هي مسؤولية الجيل الحالي ، فالاحق ان تموت ‏النفوس في ارضها وهي تطالب و تقاتل الاخطبوط البشري الجاثم علي ‏صدر البلاد ، بدلا من الموت في الصحاري والغرق في البحور ، ‏الاحق بنا ان تموت بكل شرف ونسجل اسمائنا في سجل الخالدين ‏الابرار بدلا من ان نكون اسماء في طي النسيان .. كما القائل : ‏‏"اذاكان من الموت بد فمن العار ان تموت جباناً" ، الموت في تاريخ ‏الشعب الارتري فراسة وامنية ، مادام للاجل امر مقدس كالموت في ‏سبيل الوطن واسترداد الحقوق .‏
‏(4) فيا اخوتي ماذا تنتظرون من كوارث الحياة أكثر من حالنا ؟؟! ‏الموت المجاني في عرض البحر ، الموت المجاني في قفر الصحاري ‏، البيع المجاني لتجار البشر ، العرض المنتهك في كل بقعة وشبر ‏العالم ، أي كارثة تنتظرون ؟؟ اسوأ من حالنا البائس شباب لايفكر الا ‏بالفِرار بجلده ، وينسي ابيه المعتقل وامه المغتصبة واخته المستباحة ‏‏!! من ننتظر ان يأخذ بثارنا ؟ من ننتظر يقتلع قاتلينا وجلادينا ؟؟ من ‏ننتظر ان يزيل نظام يهجر ويبيع ويشتري فينا وفي اراضينا ؟؟ ‏
‏(5) الوضع كارثي حينما نخرج من الوطن بثقوب لاتُري بالعين ‏المجردة ، وبكفالة تقدر بآلاف الدولارات ، وعندما نصل الي بر ‏الامان بارواحنا ننسي قضيتنا وقضية شعبنا ، ننسي حتي من دفع لنا ‏فدي العبور الي الدول التي جعلناها غاية لنا ، ولانكتفي .. بل نصرف ‏الاموال ونهدرها في اقامة مهرجانات الشقاق والسباب ، ومناسبات ‏الافراح والاعراس ، غير مكترثين بالجوعي والمحتاجين في داخل ‏الوطن وفي مخيمات اللجوء ، حتي اضحت سيرتنا حديث القاصي ‏والداني .‏
(6) فاذا كانت بعض الشعوب تتلاعب بالنعم فهي تملك قرارها وتتحكم في حكم اوطانها ، فنحن نتفاخر ‏ونتباهي في غير بلداننا ، ونصرف الغالي والنفيس في امور ليس من أولوياتنا ، وشعبنا يئن من ‏الجوع والعذاب ، افيقوا ايها الناس يرحمكم الله ، وضعوا التباهي جانباَ ، وتحرروا من شرور النفوس ‏وحكم الشيطان ، وتمسكوا بحبل الوفاق ، واستعينوا بسبل تعجل برحيل النظام ، لا احد سوف يزيله ‏عن صدر الوطن الا نحن ،، ولايمكن ان تقيف قوة في الارض امامنا اذا ما توحدنا في الهدف قولا ‏وعملاً .‏


(7) فصدقاتنا وذكاواتنا وتبرعاتنا ومنصرفات احتفالاتنا ومناسبات افراحنا يجب ان تسخر لجبهة ازالة ‏النظام ، واقامة دولة المواطنة والقانون ، نتجنب الفرقة والشتات وتجمعات المؤتمرات الجهوية ، ‏ونصرف المال في التعليم واعانة المحتاجين .. وتنمية مراكز الوعي الوطني ،، فالحلول في ايدينا .. ‏فلولم يحدث ذلك ليس بمقدور أحد فينا سوي الوقوف والبكاء علي اللبن المسكوب ، حتي يكتب الله ‏أمراً كان مقضياً .‏





الأحد، 26 مايو 2019

شموع الحرية


مقدمة : هذه الصورة اليوم أطلقت سراحها من معتقل دام 28 عاماً ، وأهديها ‏لكل شهداء التحرير عامة ، ورفاق مجموعتي خاصة ، الذين سقطوا ‏في جبهة دقمحري قبيل رفع الجيش الاثيوبي الراية البيضاء وهم الاتية اسمائهم :ــ‏
‏1/ ود تخول- قائد مجموعة ‏
‏2/مِرصِّع بَيني- نائب المجموعة ‏
‏3/ صالح همد- مسئول وحدة ‏
‏4/ قرِّي – قناص ‏
‏5/ظقي بنت مُلقي – ممرضة ‏
‏6/فرويني – ثاني مدفعجي ‏
‏7/ محمد عثمان عيسي ‏
(1) الشهيد الاول : ود تخول قائد مجموعة ، استشهد في اليوم الثاني ، اثناء الهجوم ‏وكسر الدفاع الرابع ، ويعتبر من القيادات الميدانية التي تتمتع ‏بشجاعة واقدام ، شارك في معارك كثيرة منها تدمير جبهة ( نادو از ) وتحرير ‏مدينة افعبت عام 1988م ، وأيضاً في عملية (فنقل ) وتحرير ميناء مصوع ، حروب ‏الاستنزاف التي تلتها عام 1990م ، وأجريت له اكثر من 15 عملية ‏جراحية منها في عينه اليمني ، لذا لم يتحمل جسده البالي الاصابة ‏الاخيرة ، فالجرح كان بليغاً ، والنزف كثيراً ، استشهد في طريقه الي المشفي الميداني .


(2) الشهيد الثاني : ‏وقد خلفه الشهيد مُرصع بَيني الذي كان يمتاز بحيوية وعلاقة طيبة ‏مع رفاقه ، يلقب ب(هدنجري) لانه مصاب عدة مرات في ‏رأسه ، قليل وخفيف الجسد والدم ، سريع الحركة ومباغت قوي عند ‏الهجوم متدرب علي كل الاسلحة الخفيفة ، ويتمتع بدقة التصويب ‏وخاصة في اربجي 7 ، أصيب بقذيف هاون اثناء الهجوم المضاد ، ‏وفارق الحياة حال اصابته ، وبعد اصابته اختل قوة الفصيلة ، مما ‏استدعي الامر ترتيب المقاتلين .
(3) الشهيد الثالث: المناضل المشاكس ‏صالح همد علي من ابناء بركة من مواليد قلسا ضواحي مدينة تسني ‏، يجيد العربية والتقري والتقرينية كتابة وتحدثا ،مكث معنا قرابة ‏العام ، فقد أحضر الينا من قسم الهندسة المركزية ، ويقال: كان ‏لايتفق دوماً مع القيادات لانه كان يراها فاسدة وشوفينية لذا سمي ‏بالمشاكس (رباشي ) ، وقد ارسل الي القوات الامامية ، عوضاً عن التصفية ، ‏وفي الفترة التي قضيناها معا صادف دورة في المدرعات والاسلحة ‏الثقيلة في دوقلي ، أثناء الاستعدادات لهجوم محور دنكاليا ، الذي ‏كان بمثابة تفريق قوة العدو حول اسمرا ، وللتخفيف عن حمولة جبهة دقمحري ، ‏أصيب في اليوم الاول للهجوم في الفخذ الايمن من الداخل ، وأثناء اسعافه ، سلمني نوتة يوميات صغيرة ، وللاسف الشديد لم ‏اتمكن من الاحتفاظ بها ، فقدتها مع معمعة المعارك التي امتدت ‏لخمسة ايام متوالية ولم يعد رغم اعتيادية جراحه ، مقارنة مع الاصابات المألوفة .


(4) .الشهيد الرابع : قّرِّي معوق في يده اليمني ،اصيب في ‏حروب الاستنزاف في جبهة قندع 1990م ، كان يتسلح بجي 3 ، ‏قناص ماكر ، فله تجربة ثرة في القتال فهو من ابناء سرايي فقد كان ‏يلقب بقرِّي سرناي ، استشهد في اليوم الاول بعد تنفيذ الهجوم وكسر ‏الدفاع الاول ، وأصيب في راسه بطلقة لم تمهله فرصة الحياة .
(5) ‏الشهيد الخامس : ظقِي بنت مُلقي من سرايي فتاة في العشرينات ، قليلة ‏الحديث ، خدومة كانت تهتم بسلامة وصحة المقاتلين ، وتقوم بتفتيش ‏مباغت للشعر اثناء النهار ووقت القيلولة ، في النائمين وتصدر ‏قراراتها ، لاتترك احد قبل ان يتناول حبوب الوقاية من الملاريا ، ‏كانت تهتم بالبيئة الصحية في ثكنات الدفاعات وتمنع قضاء الحاجة في ‏العراء المفتوح . استشهدت وهي تداوي الجروح في ضواحي عدي ‏حوشا ، ولم اكن حينها مع الفصيلة ، وقد بلغني الخبر ، اثناء عودتنا في منطقة ‏سلع دعرو ، من مهمة عسكرية ، قبيل قطع طريق اسمرا- مندفرا . ‏
(6) الشهيد السادس : الجميلة السمراء فِروَيْني ذات الشعر الاشقر(جبجب)، رشيقة القوام قليلة الحجم ، لها جسد ‏مثل السحلية ، نشيطة وسريعة الحركة ، تمتاز بلعب الكرة الطائرة ، ‏لها من الشجاعة مكانة الرجال ، لذا كانت تشغل ثانية مدفعجي ، ‏استشهدت علي اعتاب مدينة دقمحري بقذيفة خارقة ، افلح في قنصها ، ‏وسرعة رحيلها ، وخيّب في اسكات رشاشها الذي بعثر الطغاة .‏
(7) الشهيد السابع : الاخ الحبيب محمد عثمان عيسي من ابناء الحباب التحق ‏من بورتسودان ، كان لقبه (عفش ) أو الفيل واحيانا الجاموس ، لكثرة ‏تحمله في رفع العدة والعتاد ، ويتفوق بالقوة الجسمانية علي الجميع ، للاسف لم يستشهد في المعركة ، فقد خرج منتصرا ، ولم يصب ‏باي اذي في المعارك ، كان جندياً عادياً بلارتبة رغم كثرة الالقاب ، ولكنه كان أسدا هصوراً ‏في ميدان المعركة ، قد نجنا في كسر الدفاعات منذ صبيحة ‏التاسع عشر من مايو ، وفرقنا جيوش الاعادي ، وشاركنا ‏في تساقط جنود الدرق كاوراق الخريف التي هبت عليها العواصف والرياح ، وكان يقول ‏لي : في كل فرصة نفس (الّا دِي حلفنَاها ..ربي لكرع ْ لتْمطئ) بمعني ..هذه تجاوزناه ‏ربنا يسهل الجاية .. ولما أُعلن الجيش الثاني رفع الراية البضاء بالاستسلام ‏قال: يعني (ادي ايتقتلوا مطئتنا قدم دخول اسمرا) ، ومكثنا معاً عدة اشهر بعد التحرير ، قبل نقلي من اللواء 18 الي اللواء 82م ‏الفرقة 85 الاختراقية .
(8) وفي شهر يناير 1992م ،رافقت البطل/ ‏صالح عثمان نارو في زيارته السودان التي بدأناها في اواخر ديسمبر ‏‏1991، وعند عودتي في شهر مارس من نفس العام دلفت في زيارة ‏رفاقي الذين كانوا يعملون في بناء مطار نقفة ، ولم اجد محمد عثمان ‏فسألت عنه وقد اعطوني خبرا ، انه في مهمة تحرك ، ولكن احدي ‏الاخوات بلغتني سراً انه قد انتحر ، بسبب منعه من زيارة اهله في ‏بورتسودان ، بحجة ان السفر خارج البلاد لم يسمح بعد للمقاتلين . وكانت ‏صدمة كبيرة لي حتي اني قد تواصلت وكلمت القائد صالح عثمان حتي ‏نتحقق اسباب انتحاره ، فلم اجد جوابا شافياً ، حتي في ‏جلسة مرح مع القيادات هيلي سامئيل (جاينا) قائد الفيلق 271 ود ‏لبسو كموشنر الفرقة 85 ، وهذه قبسات متناثرة من رفاق قل تنعاد ‏سيرتهم الطيبة ، فقد سبقونا بكل شجاعة وبسالة للاجل سعادة شعبنا ‏الحبيب ، وللاجل هؤلاء فقط نبقي علي عهدنا باقون .وعلي دربهم ‏سائرون ، الذين اهدونا الحرية والانعتاق .. نسال الله ان يرحمهم ‏ويغفر لهم ولجميع شهداء ارتريا الاماجد ، وان ينصرنا علي الباغي ‏الظالم الذي سرق امانة شهداؤنا وجهد شعبنا .. المجد لهم والخلود الابدي ، والخزي والعار للحاكم الظالم وأزلامه الخونة ، والنصر للشعب ‏الارتري .‏